في صراع السرديات الذي يتكئ عليه كتّاب التاريخ، تبدو المقولة الشهيرة المنسوبة إلى ونستون تشرشل: (التاريخ يكتبه المنتصرون)، من أكثر الحقائق رسوخاً وواقعية. حقيقةٌ أكدها الكاتب جورج أورويل في روايته الديستوبية الشهيرة “1984”: “من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي”.(1)
منتصرٌ يحتكر الرواية، ويفرض سرديته مستنداً إلى ما يراه حقاً تاريخياً أو شرعيةً ثورية، ليتحول، من حيث لا يشعر، إلى (الأخ الأكبر) الذي يراقب الجميع، كما وصفه أورويل. وفي المقابل، يتحول المهزومون إلى إخوةٍ صغار؛ يتمردون تارة، ويصمتون تارة أخرى، يصرخون أو يستكينون، أو يُجبرون على الصمت حين تقتضي الحاجة.
تاريخٌ يسير عكس التيار
في كتابه “أطروحات في فلسفة التاريخ”، يؤكد الفيلسوف الألماني والتر بنيامين ضرورة إخضاع التاريخ المكتوب للنقد؛ نقدٌ يحرس السردية الوطنية الجامعة، ولا يكتفي بتبني رواية المنتصر في حالات النزاع.
بحسب بنيامين: “إن تراث المضطهدين يعلّمنا أن حالة الطوارئ التي نعيشها ليست استثناءً، بل هي القاعدة… وليس هناك وثيقة حضارية تخلو، في الوقت نفسه، من آثار البربرية. لذلك ينأى المؤرخ المادي بنفسه عنها قدر الإمكان، ويعتبر مهمته أن يسير عكس التيار السائد في التاريخ”.(2)
هذا النقد للتاريخ، والسير عكس تياره الغالب، يقود إلى مجموعة من الأسئلة التي تنتهي جميعها عند نقطة واحدة: ما أثر سردية المنتصر في مفهوم المواطنة والانتماء؟
ماذا لو اتخذ الشك طريقاً للتحقق من حقيقة الحكاية التي يكتبها المنتصر؟ هل ستبقى الحقيقة حينها حقيقة؟
من سيصغي إلى رواية المهزوم ويصدقها؟ ومن سيتبنى الدفاع عنها في المحافل الدولية؟
كيف ستؤثر هيمنة سردية المنتصر في مفهوم المواطنة والانتماء حين تتصارع أكثر من رواية على انتزاع شرعية الاعتراف بها؟
بين شرعية الانتصار وشرعية المواطنة
لا خلاف على أن النصر يمنح سرديةً ما قدراً من الشرعية السياسية والتاريخية؛ فالتاريخ حافل بأمثلة فرض فيها المنتصر رؤيته للأحداث على الأطراف المهزومة، حتى غدت تلك الرؤية، مع مرور الزمن، روايةً رسمية يصعب الطعن فيها أو منافستها. غير أن شرعية الانتصار لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات على أسس سليمة ومستقرة. هنا يبرز السؤال الأهم: هل تكفي سردية المنتصر وحدها لبناء مواطنة حقيقية؟ و هل يستطيع وطنٌ تتسع فيه الفجوة بين الذاكرات المتصارعة أن يؤسس عقداً اجتماعياً يشعر في ظله الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحاضر والمستقبل؟
يصعب تخيل وجود عقد اجتماعي جديد كلما اتسعت مساحة الإقصاء؛ فالعلاقة بين المواطنة والإقصاء علاقة عكسية، إذ كلما ازداد الإقصاء وأصبح أسلوباً عاماً في بناء الدولة، تراجعت المواطنة إلى الهامش، وضعف الشعور بالانتماء.
من يملك حق رواية الوطن بعد انتهاء الحرب؟
لم يكن طرح والتر بنيامين حول ضرورة نقد التاريخ سوى أحد المداخل الفكرية لما يُعرف بـ (التاريخ البديل)، الذي تقوم فكرته على تخيل مسارات مغايرة لذلك التاريخ الذي يكتبه المنتصرون، وعلى قراءة الماضي من خارج التيار السائد. ومع ذلك، فإن التاريخ البديل ليس بالضرورة أداةً لبناء المواطنة أو صياغة سردية وطنية مشتركة؛ فهو لا يتبنى تلقائياً نقد رواية المنتصر، كما لا يمنح بالضرورة مصداقيةً أكبر لرواية المهزوم.
ولتقريب الفكرة إلى السياق السوري، يمكن اختزالها في سؤال بسيط: ماذا لو؟
ماذا لو لم ينخرط الجيش السوري المنحل في قمع الثورة عام 2011؟
ماذا لو لم يتحول الحراك، كما يرى البعض، إلى صراع أهلي مسلح؟
ماذا لو قبل بشار الأسد دعوات الإصلاح ومشاركة الحكم آنذاك؟
جميع هذه الأسئلة تنتمي إلى تاريخٍ لم يحدث، لكن محاولة استكشاف مساراتها المتخيلة قد تساعد في البحث عن أرضية مشتركة لبناء سردية جامعة؛ سردية قد تشكل أساساً لعقد اجتماعي جديد، ولمواطنة لا يفرض فيها المنتصر رؤيته على المهزوم، ولا يحتكر الحقيقة والتاريخ، ولا يمنح صكوك الوطنية والغفران وفقاً لما يراه أو يتبناه. سردية تخرج من حلبة الصراع بين الروايات المتناقضة، وتنسلّ كخيط أبيض يحاول وصل التباينات والتناقضات بدلاً من تعميقها. سردية يتطلب بناؤها جهداً شاقاً ومستقلاً، متحرراً قدر الإمكان من العواطف والانحيازات واحتكار الذاكرة.
الوطن أنا وأنت، لا أنا أو أنت
ختاماً، قد يسأل سائل: هل يكتب التاريخَ المنتصرون وحدهم؟
في الغالب، نعم، ولكن ليس بالضرورة أن يُكتب بصورة صحيحة.
فالدول لا تُبنى بالعواطف، ولا بالقفز فوق استحقاقات العقد الاجتماعي الجديد، ولا بتجاهل اعتبارات المواطنة والانتماء. يدخل المنتصرون التاريخ من أوسع أبوابه حين ينجحون في كتابة سردية لا تتوقف عند سؤال: من كان على حق في الماضي؟، بل تنتقل إلى سؤال: كيف سنعيش معاً في المستقبل؟. فالأوطان المتعبة من إرث الماضي لا تتعافى بمنطق الأنا المنتصر على الآخر المهزوم. ولأن العقد الاجتماعي الجديد يفترض نقاشات جادة حول شكل الدولة، وتوزيع السلطة، والعدالة الانتقالية، وحقوق المكونات المختلفة، والعلاقة بين المركز والأطراف، ومفهوم المواطنة المتساوية، فإن الانشغال المستمر بمعارك السرديات قد يؤجل هذه الأسئلة الأساسية، ويعطل عملية بناء الدولة، ويؤخر الانتقال من الصراع على الماضي إلى الاتفاق على المستقبل.
دينا عبد الله