بعد زمنٍ كان فيه الكلمة محسوبة والمحتوى مراقَباً خوفاً من زيارة “بيت الخالة” — ذلك المصطلح الدارج الذي يُكنّى به عن الاعتقال والاختفاء القسري — يعتقد الشعب السوري أنه يعيش اليوم حريته “على باعه ودراعه” كما تقول الأمثال. غير أن هذه الحرية المستعادة تكشف عن معادلة صعبة: منصات التواصل الاجتماعي باتت في آنٍ واحد الباب الأوسع للتعبير، وسلاحاً قد يُحوِّل الكلمات إلى أضرار حقيقية على الأرض.
فهل نحن كسوريين وسوريات نمتلك فعلاً مهارات الحرية، بعد عقود من القمع وكَمّ الأفواه؟ للحرية كما للديمقراطية شروطٌ وأدوات، ويبدو أن المرحلة تستدعي إعادة بنائها من جديد، لتكون منصات التواصل أداةً للحقيقة ورابطاً لما يجمعنا، لا ميداناً للتخوين وخطاب الكراهية والتحريض.
فضاء مفتوح على مصراعيه.. ومعلومات هدّامة تنتشر 7 مرّات أسرع من المعلومات الصحيحة
شهد الفضاء الرقمي السوري خلال المرحلة الانتقالية تصاعداً لافتاً في خطاب الكراهية والتحريض عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي. ومع حالة الانقسام والخوف وعدم الاستقرار التي رافقت هذه المرحلة، تحوّلت المنصات الرقمية إلى مساحة مفتوحة لتبادل الاتهامات ونشر المحتوى التحريضي، ما أسهم في تأجيج التوتر بين المكونات المجتمعية، وأعاد إنتاج الصور النمطية والخطابات الإقصائية بأشكال جديدة.
الأخطر في المشهد أن خطاب الكراهية لم يعد يقتصر على التعليقات المسيئة أو المنشورات الفردية العابرة، إنما يظهر أحياناً بصورة منظّمة عبر حملات رقمية تستهدف فئات ومكونات مجتمعية بعينها، مستفيداً من سرعة انتشار المعلومات وضعف التحقق من صحتها لدى شريحة واسعة من المستخدمين. وقد أسهمت بعض الصفحات والحسابات في إعادة نشر محتوى يعتمد على التخويف والتضليل، أو تقديم معلومات مجتزأة ومنتزعة من سياقها، بشكل مقصود أو غير مقصود، ما زاد من حدة الاحتقان داخل المجتمع السوري.
الخوف ليس من الاختلاف.. بل من الخطاب
ثمة فارق جوهري كثيراً ما يغيب عن النقاش: حالة الخوف المتزايدة داخل بعض الأوساط المجتمعية لا تنتج في معظمها عن الاختلاف بحد ذاته، بل عن تصاعد الخطابات التحريضية والمعلومات المضللة التي تُعاد صياغتها وتداولها بلا توقف، والتي تصوّر الاختلاف والتباين على أنه عداء واستقطاب. يُضاف إلى ذلك غياب المساءلة، وضعف الاستجابة الرسمية تجاه المحتوى المحرّض، واستمرار تداول الأخبار غير الدقيقة التي تُغذّي الانقسامات وتُعمّق مشاعر الغضب والتوتر بين فئات الشعب السوري.
في هذا السياق، لم تعد مهارات التحقق الرقمي ترفاً معرفياً أو شأناً يخص المختصين وحدهم، بل أصبحت ضرورة يومية لكل من يستخدم الإنترنت ويتفاعل مع المحتوى الرقمي.
كيف نحمي أنفسنا والآخرين؟ التحقق قبل إعادة النشر!
من خلال التحقق من الصور والفيديوهات عبر منصات التحقق المتخصصة برصد الأخبار الكاذبة والمحتوى المضل، فكثير مما يتم نشره مسروق من سياقات مختلفة تماماً. من المهم مراجعة المصادر الرسمية والموثوقة، ومقارنة الخبر بين أكثر من مصدر قبل تصديقه أو نشره.
الحل ليس في الحذف وحده
مواجهة خطاب الكراهية لا تتحقق بالإبلاغ عن المحتوى وحذفه فحسب — وإن كان ذلك ضرورياً — بل تحتاج في الوقت ذاته إلى إنتاج محتوى بديل يعزز الحوار والتقبّل والتنوع، ويشجع على التفكير النقدي والاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي. فالصمت أمام خطاب الكراهية ليس حياداً، بل هو بطريقة ما مشاركة في تطبيعه.
سوريا الجديدة لن تُبنى في غرف السلطة وحدها، بل ستُبنى أيضاً في التعليقات والمنشورات والمقاطع المتداولة يومياً. والسؤال الذي يستحق التوقف عنده: ما الرواية التي نريد أن نبنيها معاً؟