بينما تهتز المقاهي والشوارع في دمشق بصيحات الحماس مع انطلاق مباريات المونديال، وتتجه عيون العالم إلى المستطيل الأخضر حيث تصنع الأهداف أمجاد الدول، يعود ملايين الأطفال حول العالم إلى أحلامهم الأولى. طفل يركض خلف الكرة في حارة ضيقة، يتخيل نفسه يوماً ما يحمل قميص منتخب بلاده في كأس العالم، وطفلة تصرخ فرحاً وهي تتخيل أن اسم بلدها سيصدح يوماً في المدرجات. في هذه اللحظات، تبدو الهوية الوطنية أمراً بديهياً؛ شيئاً يولد مع الإنسان ويكبر معه، لا امتيازاً يحتاج إلى إثبات أو معركة قانونية.
لكن في سوريا أحلام الأطفال تُصفّر قبل أن تبدأ. إذ أن ملاعب السياسة تُبنى قبل أن تولد ملاعب كرة القدم في بلدي، ووفقا لها يُطرد أبناء السوريات من “تشكيلة الوطن” قبل أن تطأ أقدامهم أرض الملعب الأخضر.
تقول أ.م وهي أم سورية أرملة لثلاثة أطفال: “حتى لعب كرة القدم باحتراف أصبح حلماً مستحيلاً لابني، لأنه ابن مواطنة سورية وليس مواطناً سوريا”ً، هنا أدركت أن القضية لم تعد تتعلق بقانون جنسية فحسب، بل بمفهوم المواطنة نفسه.
لمن ينتمي الإنسان عندما ترفضه الدولة التي ولد فيها، وعاش فيها، وأحبها؟
هذا السؤال ليس نظرياً بالنسبة لي..
أنا فلسطينية سورية، ولدت وترعرعت في دمشق لأم سورية. لسنوات طويلة، كنت أعيش التناقض ذاته: أتحدث بلهجة دمشقية، أدرس في مدارسها، وأحمل تفاصيلها اليومية، لكنني كنت أُحرم لسنوات طويلة من ممارسة حقوقي المدنية كغيري من السوريين وحتى كغيري من الفلسطينيين السوريين الذين يشملهم قانون 260 لعام 1956 (1)، ولا يشملنا نحن من لجأنا إلى سوريا بعد صدوره، كنت أُسأل على الحواجز: “وين هويتك؟”، وكنت أُسأل في مجتمعي: “على أي بلدٍ منهم تنتمين؟، وأيهم تحبين أكثر؟!“ وكأنني مُجبرة على الاختيار ولا يمكنني الجمع بينهما أبداً. لم أكن أدرك في طفولتي أن الانتماء الذي أشعر به لا يكفي وحده كي تعترف بك الدولة، وأن القانون قادرٌ أحياناً على تحويل الإنسان إلى غريب في المكان الذي يعتبره وطنه.
ورغم اختلاف ظروفي عن ظروف آلاف السوريات اللواتي لا يستطعن منح جنسيتهن لأطفالهن، فإن التجربة تشترك في جوهر واحد: أن هوية الأم السورية، في نظر القانون، لا تزال هوية ناقصة.
مواطَنة من الدرجة الثانية:
ينص المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969(2)، على أنه: “يُعتبر عربيا سوريا ﻣﻦ وﻟﺪ ﻓﻲ اﻟﻘﻄﺮ ﻣﻦ أم ﻋﺮﺑﻴﺔ ﺳﻮرﻳﺔ وﻟﻢ ﺗﺜﺒﺖ ﻧﺴﺒﺘﻪ إﻟﻰ أﺑﻴﻪ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎ”، مقيداً بذلك الأم السورية بشرطي الولادة في الإقليم وعدم ثبوت نسب الأب، بينما “يعتبر عربيا سوريا حكما ﻣﻦ وُﻟﺪ ﻓﻲ اﻟﻘﻄﺮ أو ﺧﺎرﺟﻪ ﻣﻦ واﻟﺪ ﻋﺮﺑﻲ ﺳﻮري” دون أية شروط أو تقيد، بناء على ذات المادة لذات المرسوم التشريعي، وكأن المواطنة حق كامل للرجل، وحق مشروط للمرأة.
لا يبقى هذا التمييز حبيس النصوص القانونية، بل يتحول إلى تفاصيل يومية قاسية. وتنعكس آثار هذا التمييز على حق الأطفال في الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية أيضاً. فبعض أبناء السوريات يُحرمون من برامج الدعم والمساعدات الإنسانية لأنهم لا يُصنفون أبناء مواطنين سوريين، بينما تضطر أمهاتهم إلى اللجوء إلى خدمات خاصة مكلفة في ظل غياب أي حماية قانونية فعالة.
حين يتقاطع التمييز القانوني مع مآسٍ إنسانية أكثر قسوة:
تصف ق.خ لحظة عجزها أمام ألم طفلها: “كنت أتلوى أيضا وأنا أشاهد طفلي يتلوى من الألم، وأنا لا أستطيع أن أدفع له ثمن عملية بتر أعصاب لأسنانه، حاولت طلب المساعدة من جمعيات ومنظمات دعم إنساني لكن دون جدوى، بدلاً من ذلك كانوا يزيدون معاناتي بقولهم (كيف لأهلك أن يزوجوك لشخص كهذا)، بالرغم من أن زوجي هجرني وأطفالي، ولم يترك لنا سوا جنسيته المكروهة، وُسمنا أنا وأطفالي بها ولن يعد يحق لنا حتى بالحفاظ على صحتنا، أما طفلي الآخر فحرم من أن يكون له مستقبل، إذا لم يسمحوا لي تسجليه في المدرسة لأنه يحتاج لدفتر عائلة وورقة من سفارته المغلقة، التي معها أغلقت المدرسة أبوابها وباقي أبواب بلدي في وجهنا“.
ولا تتوقف الآثار عند التعليم والصحة، بل تمتد إلى حق التملك والإرث، حيث يُجبر أبناء السوريات في بعض الحالات على التصرف بممتلكاتهم الموروثة خلال مدة زمنية محددة، باعتبارهم أجانب عن بلد أمهاتهم. الأكثر قسوة من كل ذلك، أن النساء السوريات لا يواجهن فقط تمييزاً قانونياً، بل أيضاً حكماً اجتماعياً مضاعفاً، خاصة اللواتي تزوجن من أجانب في ظروف الحرب والتهجير والاعتقال والنزوح، أو اللواتي أنجبن أطفالاً في ظروف استثنائية فرضتها سنوات الصراع.
تروي س.س مخاوفها الكبرى، التي تعرضت للاعتقال في سوريا، والاتجار والاستغلال خارجها، إذ تقول: “بعد أن تم اعتقالي قسراً والاتجار بي في دولة جوار، هربت بأعجوبة وتزوجت من غير سوري، ظننت أنني وصلت لبر الأمان، لكن فصلاً جديداً من العذاب بدأ بقصتي، عندما بدأ زوجي بوصفي كلما غضب بأنني ‘سبية حرب’، وزاد به الأمر لضربي وتعنيفي، وبالرغم من أنه يمكنني الشكوى عليه قانونيا، إلا أن معارفه في حكومته وكوني سورية في بلد غريب، جعل من هذا الظرف كرتاً رابحاً لصالحه، مما اضطرني للهرب ببناتي والرجوع لسوريا. خوفي الأكبر اليوم أن يعشن بناتي نفس حال الغربة الذي عشته خارج بلدي، وألا يتم إنصافهن في أي شيء لأنهن لسن سوريات، الآن بناتي ينتمين لسوريا أكثر من دولة أبيهم، يحببنها ويرغبن بالعيش فيها، وأنا أريد لبلدي أيضاً أن يحبهنّ”.
بين الدستور والقانون وادٍ من التمييز:
تنص المادة العاشرة من الإعلان الدستوري السوري فعلياً على أن “المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب” (3)
هذا النص الصريح بعدم التمييز يتعارض مع جملة من القوانين القديمة سارية المفعول حتى هذه اللحظة، وما زلنا محكومات بقوانين خُطت منذ أكثر من ٥٠ عام، ما زلت النساء السوريات ناقصات المواطنة، ويقف أمامهن وأبنائهن سيلٌ من الإجراءات القانونية التي تمنعهم من ممارسة حياتهم في أبسط تفاصيلها. ولا بد أن نضع أمام ناظرينا جذر هذه القضية، إذ أنها ليست قضية إجراءات إدارية، ولا قضية تعديل قانوني جزئي، بل قضية مواطنة وعدالة. فلا يمكن لدستورٍ ينص على المساواة بين المواطنين أن يستمر في قبول قانون يعتبر أن رابطة الأب أقوى من رابطة الأم، وأن هوية المرأة السورية أقل قدرة على منح الانتماء.
ربما لن يصبح جميع أطفال السوريات لاعبي كرة قدم محترفين، ولن يحملوا جميعاً كأس العالم يوماً. لكن أقل ما يستحقونه هو أن يتمكنوا من الحلم، وأن يعرفوا أن البلد الذي حملوا لهجته، ودرسوا في مدارسه، وأحبوه كما أحبته أمهاتهم، يعترف بهم بوصفهم أبناءه أيضاً.
رؤى الكيلاني