من مقعد في حافلة إلى بنية غير عادلة
من صدفة إلى نمط من الامتياز
لم يكن الباص كبيراً.. حافلة صغيرة خصصتها المدرسة لنقل المُعلّمات، في بادرة بدت في ظاهرها لفتة كريمة من الإدارة. غير أن تصميمها كان غريباً: أربعة مقاعد فردية في المقدمة، والبقية مقاعد ثنائية ضيقة، لا تتسع للجميع براحة.
كان خط السير ثابت من وإلى المدرسة، في البداية.. بدا الأمر تفصيلاً عابراً، من تصعد أولاً تختار أولاً، فتُحجز المقاعد الفردية باكراً، ومن تتأخر تجلس حيث يتبقى. ثم شيئًا فشيئاً، بدأت الصورة تتضح، فالمعلمات اللواتي يركبن في المحطات الأولى يجلسن يومياً في المقاعد الفردية، وبالتالي يحظين برحلة مريحة ومساحة خاصة ومكالمات هاتفية هادئة، بينما في الخلف، تتكدس الأخريات.. ثلاث، أربع، أحياناً خمس في مقعد واحد، وأحياناً يقفن بعضهن بأجساد متلاصقة، وصمت متراكم محتقن.
وبحسب ترتيبات برنامج الدوام، كانت اثنتان فقط من صاحبات المقاعد الفردية في الرحلة الأولى، تُنهيان دوامهما مع الجميع، أما البقية فكنّ يغادرن قبل انتهاء اليوم الدراسي، فيعدن ويحتفظن بالمقاعد ذاتها عند العودة. هذه الصدفة تحولت إلى نمط، والنمط تحول إلى امتياز.
إحدى المعلمات اللواتي لم يحظين بهذا الامتياز كانت تربطها صداقة قوية مع إحدى صاحبات المقاعد الفردية، لكن مع تكرار هذا النمط بدأت تتحول مشاعر الصداقة والزمالة لعداء وتنافس، فرؤية الراحة المتكررة لأشخاص محددين، مقابل الضيق المتكرر لآخرين، ولّدت شعورًا خفيًا بالغبن، ولم يعد المقعد مجرد كرسي؛ صار علامة على تفاوتٍ دائم.
حين يتحول الخاص إلى شأن عام
في البداية، تعاملت كل واحدة مع المقعد باعتباره شأناً خاصاً، “حقٌ فردي” لمن تصعد أولاً، أما البقية فكُنّ يعشن في نظامٍ غير متكافئ، يتحول فيه الأمر من قرار شخصي إلى بنية غير عادلة، ومن تجربة فردية إلى مسألة شأن عام.
فالشأن الخاص هو ما يتعلق باختيارات الفرد ومصلحته المباشرة. أما الشأن العام فهو كل ما يمس العدالة بين الأفراد داخل الفضاء المشترك. والباص — رغم صغره — كان فضاءً عاماً مصغراً. مساحة مشتركة، تخضع لمنطق العدالة أو اللامساواة.
بدأت بعض المعلمات بالمطالبة بتدوير المقاعد الفردية بينهن، حيث تنال كل معلمة فرصة الجلوس في المقاعد الفردية دون وجود امتيازات لأحد. إلا أن المستفيدات من الوضع القائم رفضن الفكرة:
“نحن لا نخالف النظام.”
“من تصل أولًا تجلس أولاً”
“لماذا نعاقب على التزامنا؟”
بهذه الطريقة يتشكل منطق الامتياز، إذ يُعرِّف نفسه كاستحقاق طبيعي. ويرى في أي محاولة للمساواة تهديداً للحق، وقد يصل في بعض الأمور لتهديدا على مستوى الوجود، بحسب ما يغذيه هذا النمط وما يلعب عليه.
من الامتياز إلى الاستقطاب
شيئاً فشيئاً، انقسمت الحافلة إلى فئتين: فئة ترى نفسها ملتزمة بالقواعد، وفئة ترى نفسها ضحية لبُنية غير منصفة. وفي غضون شهر بدأت الأوصاف تُطلق: وأحكام القيمة تُلصق: “مدللات، مثيرات للمشاكل، غيرمتحضرات، أنانيات.”
وتحول الخلاف على أحقية المقاعد شيئا فشيئاً إلى صراع على القيمة والكرامة.
هذا المشهد الصغير يعكس ما يحدث في المجتمعات متعددة الهويات. عندما تمنح السلطة فئة معينة موقعاً متقدماً — مقعداً فردياً في مقدمة الباص الوطني — يتحول الامتياز إلى هوية، وتتحول الهوية إلى درع دفاعي، وتبدأ الفئة المستفيدة بتبرير موقعها، وتأكيد استحقاقها لهذه المكانة، وأن بدون هذه التقسيمة يختل النظلم وتعم الفوضى.
في المقابل، تنشأ لدى الفئات الأخرى سردية مضادة تنادي برفع الظلم والانحياز والمكانة المحتكرة، وبمناصرة الحقوق المسلوبة وتحقيق المساواة. وهكذا، يصبح الانقسام نتيجة طبيعية لاختلال العدالة.
السلطة لا تُدار بالنيات الحسنة بل بالمسؤولية
لم يكن المدير يعلم شيئًاً، كان يأتي بسيارته الخاصة، ويظن أنه أحسن صنعاً بتأمين وسيلة نقل مجانية للمعلمات. إلا أن حسن النية لا يكفي. فالسياسات غير المراقبة، حتى الصغيرة منها، قد تنتج آثاراً لم تُحسب. عندما رُفعت القضية إليه، لم يكتفِ بتذكيرهن بالقواعد، بل ذهب ليرى الباص بنفسه. وقيّم تقييماً واقعياً كيف يقسم التصميم المعلمات إلى مستويين. ثم فعل ما لم تتوقعه الكثيرات: لم يضع جدولاً لتدوير المقاعد، ولم يعاقب أحداً.. بل باع الحافلة واشترى أخرى أكبر، مقاعدها ثنائية للجميع، تتسع للجميع بكرامة. وفي مفارقة رمزية، صار هو نفسه يستخدم الحافلة. الحل لم يكن إعادة توزيع الامتياز، بل إلغاء منطق الامتياز ذاته.
المواطنة: رحلة تستقيم بجلوس الجميع بكرامة وعدل
القصة ليست عن حافلة. إنها عن العلاقة بين الشأن الخاص والشأن العام، وعن معنى المواطنة.. فالمواطنة ليست مجرد انتماء قانوني لدولة، بل وعي بأن: المصلحة الخاصة لا تستقيم إلا بقوة المصلحة العامة. وأن راحة مجموعة معينة على حساب مجموعات أخرى ليست استقراراً بل قنبلة مؤجلة، وبأن الامتياز غير المتكافئ يزرع الانقسام حتى لو بدا قانونياً.
حين تتغلب المصالح الفردية الضيقة، وتُغذّى الهويات الصغرى على حساب الهوية الجامعة، يصبح الوطن هشاً أمام أي أزمة. لكن حين يُعاد تعريف الشأن الخاص باعتباره جزءًا من الشأن العام، تتكامل الهويات بدل أن تتصارع.
في الحافلة الجديدة، لم يعد هناك مقعد مفرد. لم يعد هناك سباق على الامتياز.صار الفضاء مشتركاً فعلاً، لا شكلاً.
وهكذا هي الدولة العادلة:
لا تقوم على تدوير الامتياز بين الفئات، بل على إزالة البنية التي تنتجه.
ولا تحمي فئة من أخرى، بل تحمي الجميع بالقانون والعدالة المتساوية.
لأن الوطن، في النهاية، ليس مقعداً في المقدمة.
بل رحلة مشتركة، لا تستقيم إلا إذا جلس الجميع فيها بكرامة.
قصة حقيقية بتصرف
رؤى محمد الكيلاني