المشاركة المجتمعية كفعل نجاة في سوريا
المشاركة المجتمعية هوية سورية راسخة
في الطبيعة، قد يكلّفك التدخل ألماً، لكن في المجتمعات، قد يكلّفك عدم التدخل ما هو أكبر من ذلك بكثير. ومن مجتمع النحل إلى مجتمع البشر، تقودنا الذاكرة إلى صورٍ لم تكن استثناءً، بل كانت القاعدة. في القلمون والساحل السوري والجزيرة والجنوب ومدن الداخل، كانت المشاركة فعلا يومياً لا يحتاج إلى تعريف.
يرتسم المشهد:
رجال القرية يجتمعون لإنجاز “صبة” سقف بيت واحد، والنساء يطبخن للرجال المرهقين، وفي مواسم القطاف، يتقاسم أبناء الريف الجهد؛ تنتهي الأرض الأولى، ليبدأ العمل مباشرة في أرضٍ أخرى. لم تكن تلك الممارسات مجرد عادات، بل نظاماً اجتماعياً غير مكتوب.
بين مشهد خلية النحل، وصور الماضي السوري، يتضح أن المشاركة المجتمعية ليست مفهوماً نظريا في مجتمعٌ يعتمد على العمل الجماعي، لكن _سورياً _بات المجتمع اليوم باحثاً عن ملامح هويته. هوية شكّلتها فطرة التعاون، وتهددها اليوم عوامل التفكك والضغط والتحول.
آثار النزاع على العمل المجتمعي في سوريا
يدرك العارفون/ات بالشأن السوري أسباب و مآلات الغياب الظاهر للمشاركة المجتمعية، وقد اختبر السوريون والسوريات أنفسهم، فكرة أن يعاني المرء ويحاول البحث منفرداُ عن حلول لمعضلاته المزمنة ومشاكله اليومية المختلفة.. سنوات النزاع الأربعة عشر الماضية كانت كفيلة بكل ذلك، فانهيار التعليم والاقتصاد والثقة يحول المجتمع من حالة المشاركة إلى حالة البقاء والجمود.
يشير تقرير صندوق الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في عام 2025: لفكرة أن ” جهود التعافي في سوريا تتعقّد أكثر بسبب الحاجة إلى معالجة ليس فقط إعادة الإعمار الاقتصادي والمادي، بل أيضًا قضايا التماسك الاجتماعي والحوكمة” (1).
باختصار يشرح الغياب الواضح لمفهوم المشاركة المجتمعية في سوريا اليوم، يظهر أن مركزية القرار سابقاً واحتكار السلطة، بالإضافة للانقسامات المجتمعية وغياب القيود القانونية لعمل المجتمع المدني ووجود أزمة ثقة، فيها ما يفسر هذا الغياب.
لماذا نحتاج المشاركة المجتمعية اليوم؟
في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تظهر الحاجة إلى ما يشبه مجتمع الظل، يتحرك بشكل عفوي لحل المشكلات عبر المنفعة العامة. ظهر هذا النوع من المجتمعات خلال سنوات النزاع الأربعة عشر في سوريا، وفي مناطق مختلفة واقعة تحت حكم سلطات الأمر الواقع آنذاك، لكن ماذا عن اليوم؟ تؤكد الدراسات والتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والخاصة بسوريا على أهمية المشاركة المجتمعية في مرحلة ما بعد النزاع. فإذا” كان النزاع أضعف الثقة بين المكونات وزاد الانغلاق، فإن المبادرات المجتمعية تقلل هذا الفجوات وتدعم التفاعل الاجتماعي”(2). وبالتالي فإن أكثر ما يحتاجه السوريون/ات اليوم، هو المشاركة المجتمعية التي تدعم جهود التعافي، باعتبارها أداة لإعادة بناء الثقة والتماسك المجتمعي.
لا توجد نجاة فردية في مجتمع يغرق
ختاماً، لا تبدو النجاة الفردية بعد اليوم في سوريا، حلا ناجحاً، فإما أن ننجو جميعاً أو نموت فرادى..وإن استطاعت الانقسامات المجتمعية في الأمس واليوم، تعميق الفردانية وحالة الانعزال لدى المكونات السورية، لكن عصا الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تؤذي الجميع. يقول الكاتب الفلسطيني إدوار سعيد: “لا توجد نجاة فردية في عالمٍ يغرق، نحن إما أن نصل إلى الشاطئ معاً، أو نغرق جميعاً في محاولاتنا المنفردة.” وعليه فإن المجتمع الذي يفقد القدرة على الاستجابة الجماعية يصبح عرضة للتفكك. وإنّ العودة إلى جذور المشاركة المجتمعية السورية الأصيلة هي السبيل لتحويل التحديات الفردية المعقدة إلى فرص للنجاة المشتركة، تماماً كما تفعل
خلية النحل حين تتوحد خلف هدفٍ واحد
بقلم دينا عبد الله