ما معنى أن نكره؟
ما معنى أن “نكره”؟ وكيف يستطيع بعض الناس ترجمة الكراهية إلى سلوك لفظي وجسدي مؤذٍ وخطير، يهدد حياة أفراد ومجموعات وكيانات بشرية كاملة؟
عند السؤال عن معنى الكراهية، وصفها أحدهم بأنها (فعل منافٍ للطبيعة). فمن الطبيعي أن تحب، ومن الطبيعي أيضاً ألّا تحب لأسباب موجبة، لكن من غير الطبيعي أن تكره لمجرد الكراهية.
في القانون الدولي، قدمت الأمم المتحدة تعريفاً موسعاً لخطاب الكراهية بوصفه:
«أي نوع من التواصل بالقول أو الكتابة أو السلوك، يهاجم أو يستخدم لغة تحقير أو تمييز تجاه شخص أو مجموعة على أساس هويتهم».
هذا التعريف لا يبدو نظرياً أو بعيداً، بل يكاد يكون توصيفاً مباشراً لواقع سوري معاصر.
عبارات كراهية بنكهة سورية
من هذا التعريف، يمكن الانتقال مباشرة إلى صورة محلية تضع خطاب الكراهية في سياقه السوري المؤلم.
مساء السابع من كانون الأول 2024، نزحت مجموعات كبيرة من أبناء المكون العلوي من مدينة حمص إلى طرطوس، عقب انتشار شائعات عن هروب الرئيس المخلوع. صديقة حمصية سنية عبّرت عن دهشتها وفرحتها المشوبة بالحذر، لكنها في الوقت نفسه تمنّت لهم ألّا يصيبهم ما أصاب أهل حمص السنة خلال سنوات الحرب.
في مراسلاتنا، كانت تمر أحياناً عبارات قُدّمت على سبيل المزاح، مثل “الزحلقة” أو “التسمم” أو “يدوقوا اللي دقناه”. لكنها تعلم، في قرارة نفسها، أن من ذاق الظلم لا يتمناه لغيره، إن كان ذلك الغير بريئاً من الدم.
دينا عبد اللههذه الصداقات أغنتني إنسانياً، لكنها زرعت في داخلي خوفاً عميقاً عليهم مع كل تصعيد وانقسام
سؤال مشروع عن الانقسام المجتمعي
عند تأمل التجربة السورية مع خطاب الكراهية، يفرض نفسه سؤال ثقيل:
إلى أي حدٍ وصل الانقسام المجتمعي بين السوريين والسوريات بعد الحرب؟
الأشهر التي تلت سقوط نظام الأسد كشفت عن حدّة هذا الانقسام، وعن حضوره العلني على منصات التواصل الاجتماعي وفي الحياة اليومية. لم تكن مصطلحات مثل “الزحلقة بقشر الموز” أو “التسمم بالأندومي”، والتي أُشير بها إلى حالات تصفية جسدية صُنّف كثير منها على أساس الهوية الدينية، مجرد تعبيرات عابرة، بل دلالة على واقع قائم:
خطاب كراهية ديني موجّه، وعدالة انتقائية ذات طابع انتقامي، وتكريس ممنهج للانقسام.
ناطورة المفاتيح: شهادة شخصية عن الخوف
قليلة كانت الصداقات التي جمعتني بأبناء وبنات ديني، أنا السورية المسيحية. في المقابل، كان لي وافر المحبة في صداقات حقيقية مع أبناء المكونين السني والعلوي في المدرسة والجامعة والعمل. هذه الصداقات أغنتني إنسانياً، لكنها زرعت في داخلي خوفاً عميقاً عليهم مع كل تصعيد وانقسام.
في السابع والثامن من كانون الأول 2024، كان المشهد في حمص سريالياً.
خوف ورعب في أحياء صُنّفت “موالية”، مقابل فرح صاخب في أحياء أخرى. مدينة واحدة، ومشاعر متناقضة لا تلتقي.
بعض الأصدقاء رفضوا الخروج إلى طرطوس وبقوا يحرسون بيوتهم وبيوت الجيران. ولا أنسى ما قالته لي إحدى الصديقات يومها:
«ما بقي حدا بالحارة… بقيت لحالي مع أمي المريضة، ومفاتيح بيوت الحارة كلها معي. بقيت أنا ناطورة المفاتيح».
الانتقام المؤجل وخطاب الكراهية الديني
يعاني كثير من أبناء المكون العلوي في حمص وسوريا عموماً من تبعات خطاب كراهية ديني لم تتوقف حدوده عند مجازر الساحل، ولم تنجح فتاوى تحريم سفك الدم السوري في كبحه.
اليوم، يبدو المشهد بالنسبة لهم ضبابياً ومتقلباً، يجمع بين الحذر ومحاولات تفاؤل حذرة في فترات تخف فيها وتيرة الانتهاكات.
كثيرون باتوا يعتقدون أن مشاهد “التحرير” وسقوط النظام في الثامن من كانون الأول 2024، وما رافقها من سلاسة في تسلّم إدارة المناطق ذات التنوع الديني، لم تكن سوى تمهيد لعمليات انتقام مؤجلة، تُنفذ تحت مسميات ومبررات مختلفة.
الخطاب المضاد وأثر الفراشة في التغيير
رغم النماذج العالمية الكارثية التي كان فيها خطاب الكراهية الديني سيفاً مسلطاً على جماعات بعينها، تُظهر تجارب أخرى نجاح الخطاب المضاد كإحدى الأدوات الفعالة في مواجهة الكراهية.
يُعرّف الخطاب المضاد بأنه ممارسة الرد على التعبير الضار عبر تفنيده، فضحه، تقديم روايات بديلة، ونشر معلومات دقيقة، وتعزيز التعاطف وفهم الآخر. وعلى مستوى الأفراد، قد يكون لأي تجربة شخصية في مواجهة خطاب الكراهية أثر تراكمي يشبه “أثر الفراشة” في التغيير.
الكراهية المفروضة مرفوضة
لم يختر السوريون أن يكرهوا بعضهم بعضاً.
الكراهية في سوريا إرث مفروض، صُنع سياسياً وأُدير أمنياً، ويُعاد إنتاجه اجتماعياً. التعامل معه يتطلب وعياً حذراً، يبدأ برفضه، وحصره في من تسببوا به، لا في ضحاياه.
ولعل من بقوا “نواطير المفاتيح” — في الحارات أو في الذاكرة — هم الأكثر قدرة على إعادة فتح أبواب الانتماء، بعيداً عن كراهية لم نختَرها، لكننا قادرون على تجاوزها.
بقلم دينا عبد الله