هذا هو التحدي الذي واجهه تشاك نولاند، بطل فيلم Cast Away، بعد أن وجد نفسه وحيداً على جزيرة نائية، مضطراً لإدارة وقته وجهده و موارده من أجل البقاء على قيد الحياة.
وعند الانتقال بالحديث عن إدارة الموارد من مستوى الفرد إلى مستوى المجتمع، تظهر الحاجة إلى تنظيم وتوزيع الأدوار والمسؤوليات، وتبرز المركزية واللامركزية كنماذج إدارية لتنظيم وتوزيع سلطة اتخاذ القرار والمسؤوليات المرتبطة بإدارة هذه الموارد.
العزلة كنموذج إداري: تكلفة القرار عندما يكون الفرد كل شيء
ربما يبدو الربط بين المركزية واللامركزية والإدارة الجيدة للموارد، بعد مشاهدة الفيلم، غريبا أو غير واضح، لكن في العمق يقدم الفيلم “أربعة دروس اقتصادية”، أحدها ما يُعرف بـ”تكلفة الفرصة البديلة”، والتي تعني “قيمة البديل الأفضل الذي تم التخلي عنه” {1}.
فتشاك نولاند، بطل الفيلم والناجي الوحيد على الجزيرة، كان عليه القيام بعدة مهام بمفرده، وكان مضطراً للمفاضلة بين المهم والأهم. فهو بحاجة إلى جمع جوز الهند ليأكله، لكن هذا الخيار له ثمن، إذ يعني عدم قيامه بأعمال أخرى ضرورية، وهنا يتجلى مفهوم تكلفة الفرصة البديلة.
أما في المجتمعات وأنظمتها الإدارية، سواء كانت مركزية أو لامركزية، فتظهر الحاجة إلى التخصص في إدارة الموارد، حتى لا يضطر أفراد المجتمع إلى التخلي عن البديل الأفضل كما حدث مع تشاك نولاند.
والتخصص هنا يعني أننا “لسنا مضطرين لتعلم الزراعة أو الصيد أو الرعي لتأمين غذائنا. بدلاً من ذلك، نخلق قيمة من خلال أداء وظيفة محددة، تاركين تلك المهام الأخرى لأشخاص متخصصين في مجالاتهم” {1}.
لماذا يفرض تقسيم العمل والتخصص توزيع القرار؟
تقودنا فكرة التخصص في إدارة الموارد المتاحة إلى مجموعة من الأسئلة المفتوحة، تتعلق بآليات اتخاذ القرار وكيفية الإدارة في مجتمع لا يعرف فيه الفرد كل شيء، وليس مسؤولا عن اتخاذ القرار في كل شيء، إلا ضمن نطاق تخصصه.
ولعل الأهم في هذه الأسئلة هو: كيف يتم اتخاذ القرارات عندما تتعارض الأولويات؟
هنا تظهر الحاجة إلى أنظمة إدارية، مثل المركزية واللامركزية، كحلول تنظيمية لمشكلة عملية فرضها التخصص نفسه، حيث تساعد هذه الأنظمة في الاستجابة للقيود التي تفرضها محدودية الوقت والمعرفة والقدرة، خصوصا في مجتمعات ما بعد النزاع، وهي القيود ذاتها التي واجهها تشاك نولاند عندما اضطر لاتخاذ جميع القرارات بنفسه.
المركزية واللامركزية: المفاضلة بينهما وفق السياقات المجتمعية
تُعرّف المركزية بأنها نمط إداري تكون فيه سلطة اتخاذ القرار متمركزة في جهة واحدة، وتتميز بوحدة السياسات، بينما تقوم اللامركزية على توزيع سلطة اتخاذ القرار على المستويات المحلية، بما يعزز المشاركة المجتمعية وسرعة الاستجابة للاحتياجات.
كما أن اللامركزية تأخذ أشكالا متعددة، مثل اللامركزية الإدارية والسياسية و الفيدرالية، ولكل منها مزايا وعيوب تختلف باختلاف السياق المجتمعي.
لكن كيف يمكن اختيار النموذج المناسب لمجتمع ما؟
تشير تجارب العديد من الدول إلى أن الاختيار بين المركزية واللامركزية لم يكن سهلاً.
ففي تشاد، على سبيل المثال، تبنت السلطات النظام المركزي في البداية، لكن سلبياته ظهرت بوضوح، مثل البطء في تنفيذ المشاريع وتهميش المناطق النائية.
وفي السنوات الأخيرة، بدأ التحول نحو اللامركزية، إلا أن هذا التحول كشف أيضًا عن ضعف الكفاءات الإدارية في بعض المناطق، ولم يحقق الأهداف المرجوة بشكل كامل.
“أما اليوم، تشاد أمام فرصة تاريخية لتطبيق نموذج لامركزي متدرج يجمع بين قوة الدولة المركزية وفعالية السلطات المحلية” {2}.
ثنائية المركزية واللامركزية: لا إقصاء، و لا انفصال
بالعودة إلى تجربة تشاك نولاند، ماذا لو نجا معه أشخاص آخرون من حادث تحطم الطائرة، وعاشوا معه على الجزيرة نفسها؟
كيف كانوا سيديرون الموارد؟
هل كانوا سيتخذون قراراتهم بشكل فردي، أم كانوا سيوكلون أحدهم لاتخاذ القرار نيابة عنهم؟
وهل كان بعضهم سيتعرض للإقصاء بسبب مركزية القرار، ويفكر في الانفصال عن المجموعة؟
هي أسئلة افتراضية لأحداث لم تقع، وستبقى دون إجابات في قصة صراع من أجل البقاء.
لكن مع اتساع دائرة الفرد إلى مستوى المجتمع، و تعقّد العلاقة بين السلطة والأفراد والموارد، وتباين الأنظمة الإدارية المنظمة لهذه العلاقة، لن يكون هناك من يرغب في الوقوع ضمن “ثنائية مضللة: مركزية تُقدَّم كوحدة لكنها تحمل الإقصاء، و لامركزية تُقدَّم كحرية لكنها تحمل الانسحاب من السياسة” {3}.
ومن يرغب بهذه الثنائية، سيبقى وحيداً على جزيرة، لا يسمع فيها إلا صدى صوته.
بقلم دينا عبد الله