” كوادر الصور النمطية” …وعدسات تصوير على قياس المجتمع!

كتابة :
رنيم خلوف

” كوادر الصور النمطية” …وعدسات تصوير على قياس المجتمع!

” أبصر شو مقدمة حتى انقبلت بالمعهد، يا ترى مين واسطتها حتى طلعت على الشاشة مذيعة، شطارة من وين الشطارة كم تنازل مقدمة! صارت مذيعة وممثلة وبتاع كله!

هي سلسلة مفردات تُوصم بها العاملات في قطاع الفنون والدراما والإعلام، بناها المجتمع على أنقاض قصص وروايات حاكها على سيدات، خرجن من عباءات تقاليد الوظائف وأنماط العمل التقليدية التي يفضل أن يعملن بها النساء.

لماذا مازالت هذه النظرة مستمرة رغم تغير التطور الكبير الذي طال المجتمع؟ ما هو دور الدراما نفسها والإعلام أيضاً في ترسيخ هذه النظرة رغم اختلاف حدتها ودرجتها من جيل إلى آخر.

بلا نقاش

حاولت ” جودي 20 عاماً من دمشق” أن تقنع أهلها كثيراً بالسماح لها التسجيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية، وفي كل مرة تحاول النقاش وتتحدث عن موهبتها في التقليد والتمثيل، توبخها والدتها ووالدها، بكلمات إساءة لمن يدخلون هذا المعهد الذي اعتبروا أنه ” متحرر جداً”، فهي تعقب “بالطبع يجب أن يكون متحرر لأن الفن هو حرية التعبير السليمة بدون تكلف أو تَصَنُع، ولا يعني التحرر تقديم تنازلات دائماً”، فشلت الفتاة العشرينية  في إقناع أهلها وتدرس الآن إدارة أعمال في أحد الجامعات الخاصة، تقول” قتلوا حلمي لأجل تصورات ذهنية ورثوها وسمعوها”،  أما هناك في ريف حمص تنمر وخطاب من نوع آخر وعلى فنٍ آخر تتعرض له الفنانة التشكيلية ” بشرى 35 عاما”، الفتاة المختلفة في شكلها ولون شعرها ونمط ملابسها عن بقية أقرانها في قريتها، تضحك لكل تنمر يوجه لها وتسمع بأذنها ” مجنونة، بترسم خطين تلاتة ع لوحة، إذا فنانة بتعبي حالها برسينغ، أكيد شاذة”، تقول لمَوج: نحن ثلاثة في القرية من درسن فنون جميلة، لا يسلم أي أحد منا من انتقاد رغم تراجعها عن السابق كثيراً، وتعلل أن التغيير حتى على صعيد التفكير بأساليب الدراسة مهما كانت ليس فقط الفنون يحتاج وقتاً، وترى الشابة الثلاثينية أنه تراجعت الانتقادات لمن يدرسن ويمتهن الفنون التشكيلية، وخصوصاً ممن يختلفن بالشكل عن الأخريات، بسبب تفاعلهن ووجودهن بالمجتمع أكثر من السابق وتعبيرهن عن أنفسهن دون خوف، فمن يرفض وجودهن، لا تـ/ينتقد كثيراً بقدر ما تـ/يبتعد عن التعامل معهن  بالمطلق.

 

رأي صحفي

ماتزال الصور النمطية التي يحملها الناس في عقولهم حاضرة في المجتمعات السورية، وإن اختلف ضيق او اتساع الكادر حول أي قضية من القضايا التي لا تسير وفق ما رسم لها المجتمع، ومن قطاعات العمل ” التمثيل والإعلام”، والتي مازالت بعض العاملات بهما ينلن نصيباً وافراً من خطاب الكراهية الموجه، وفي هذا المجال يتحدث الصحفي أنس فرج لمَوج قائلاً: إن الإعلام والدراما على مدار ال10 سنوات، ساهما بتنميط صورة المرأة بشكل عام، عبر تقديم أدوار معينة ومحددة لها، مثلاً دراما البيئة الشامية قدمت السيدات على أنهن ضعيفات مستكينات خاضعات للهيمنة الأبوية، لتأتي دراما اجتماعية من نوع آخر تحاول أن تنصف المرأة بكل أنواع عملها الاجتماعي”، ويضيف فرج أن الدراما لم تسلط الضوء كثيراً على الصور النمطية السيئة بالمطلق عن العاملات في مجال الإعلام والدراما، والحل لتكون الدراما متوازنة وتحترم حقوق النساء هو خضوع النصوص الدرامية جميعها للجان فيها مجلس نسوي يدافع عن حقوق النساء في الدراما أيضاً، كما في مصر مثلاً هناك مجلس قومي للنساء يدافع عن حقوقهن ويرفع القضايا للقضاء في حال الإساءة لصورة المرأة، والشق الأهم هو فتح الباب لكتاب وكاتبات نسويات جدد ومن مدارس درامية مختلفة.

بينما تخالف الصحفية لينا ديوب رأي الصحفي أنس فرج في أحد الجزئيات المتعلقة بالنظرة للعاملات في الإعلام وتفند حديثها “أن الصحفية أو مقدمة البرامج التي تعتمد على الكفاءة وتقدم محتوى يهم الناس يحترمها المجتمع، ولا يستطيع أن ينمطها كأخرى تعتمد على جمالها أو جسدها، أما من تعتمد على الفساد الإداري بمعنى من تقدم نفسها من خلال المحسوبيات أو تقدم جسدها فهي جزء من الفساد السائد وليست لأنها امرأة فقط”،  وتتابع “بالنسبة للعاملات بالدراما فالنظرة النمطية أحد أجزاء موقف المجتمع من جسد المرأة، لأنه مر وقت طويل على عمل النساء بالفن، وهناك أكاديميات ومعاهد تُدرس الفن للنساء والرجال، بمعنى وجودها لم يعد مستغرباً ومستهجناً، لكن ما هو غير مقبول بسبب النظرة القيمية لجسد الفنانة، مهما كان دورها في المسلسل أم أو عاملة فهي بعيدة عن النقد، أما إذا كانت امرأة مستقلة لها حياة خاصة فيتم تقييمها على أنها جريئة بأفضل الحالات، أما عن تنميطها بأدوار معينة، فهناك تغيير نحو الأفضل، نجد النساء العاملات والمشاركات بالشأن العام، كما نجد الأمهات وربات المنازل”.

وتختم الصحفية كلامها برسالة للنساء اللواتي تعملن في الدراما والإعلام “أنه يجب عليهن تقديم رؤيتهن والمساهمة برسم الصورة الواقعية لهن ولعملهن” وتعتبر أن هذه هي طريقة التغيير المناسبة للصورة النمطية التي ورثها المجتمع، وهنا لابد من الإشارة أن مَوج تواصلت مع عدد من الفنانات لإعطاء رأيهن في الصور النمطية عن النساء العاملات في الدراما، فأتت الأجوبة بالاعتذار.

ربما تختلف زوايا التصوير ليكون المشهد كاملاً في كل تفاصيل الحياة الاجتماعية، بين العدسة الواسعة والعدسة القريبة تفاصيل تظهر بوضوح وأخرى تختفي وكل ذلك يشكل نظرةً عن أي صورة مع كادرها، وكذلك الصور النمطية يصورها المجتمع وفق عدساته وكوادره التي رسمها.

“بين العدسة الواسعة والقريبة تفاصيل

تظهر بوضوح وأخرى تختفي”

 

رنيم خلوف