حياة في الزّحام

كتابة :
نواف العطواني

ثلاث طوائف جمعهم بيت واحد

 

بعيداً عن زحام العاصمة وأبنيتها المتكتلة، وعن خوف الضياع في شوارعها المتشابكة، في ذلك الجبل الجنوبي البعيد، الهادئ، البارد، الذي لن تعلم ما يخفي إلا إذا خطوتَ بأقدامك اتجاهه. السواد الذي يطغى على حجارته لا يدل على قسوته، فداخله أرضٌ بيضاء ممتلئة بأوردةٍ من الماء تغذي من جاور حدوده.

الساعة السادسة صباحاً مع طلوع الفجر وأنا ما زلت أقرأ عن المجهول، لم يبق لي الكثير، فقد علمت ما ينتظرني بمساعدة محركات البحث التي لم تهدأ من لحظة تلقي الخبر.

في اليوم السابق، وعند الساعة الثامنة مساء في إحدى أسواقِ المدينة بعد أن كنت قد جلبت ما تبقى من لوزام الحياة الجامعية التي تبدأ بعد ساعات، تلقيت اتصالاً من أحد الأصدقاء يخبرني بأنه قد وجد لي منزلاً يسكنه طالبان جامعيان يرغبان بانضمام شخص ثالث لهما. 

الخبر مفرحٌ جداً، لكنه لم يكتمل، فقد أخبرني أنهما من محافظتين مختلفتين وهما صديقاه منذ وقت طويل، توقف الزمن للحظات، ليأخذ عقلي وقته في تحليل وافتراض مجرى أحداث الحياة التي تنتظرني حتى قبل أن أعرف أسماءهم. 

وصلت إلى البيت مسرعاً، وبدأت أتذكر كل ما سمعته من أحاديث وحكايات عن المدن والمناطق التي ينتمي إليها شريكَيْ سكني المحتملَيْن وأحاول ربطها بما ينتج عن بحث الإنترنت ومع ذلك لم تكتمل أي حكاية بالنسبة لي، فالتناقض بين ما كنت أسمع عنهم وبين نتائج البحث كبير جداً فمن الصادق؟

بعيداً عن انتماءاتهم الطائفية والمناطقية التي كانت شرارة التوتر، بدأت أفكر بتفاصيل أخرى، هل يحبون من الطعام ما أحب؟

هل لديهم مشكلة مع التدخين؟

هل أوقات دراستهم طويلة ومملّة ولن أتمكن من مقاطعتهم كل دقيقة لنتحدث بخبر مرّ أمامي على مواقع التواصل كما أفعل عادةً مع أصدقائي؟ 

عند الساعة العاشرة خطوت على أرض العاصمة، أصوات الزحام وأعداد الأشخاص مربكة وللحظات أحسست بالضياع، أوقفت سيارة أجرة واتجهنا إلى إحدى عشوائيات دمشق حيث يقع المنزل.

وصلنا إلى مدخل الحي ووقفت على زاوية الشارع أنتظر حمزة، الشاب الذي تواصلت معه من لحظة وصولي إلى دمشق، لحظات وأقبلَ باتجاهي شاب طويل لا يختلف عني إلا بأن له لهجة لطيفة وبشرة سمراء بحرية وابتسامة بشوشة كنت أفتقدها بطبعي، عرفني بنفسه وساعدني على حمل الأغراض وبدأ بالحديث معي من اللحظة الأولى عن دراسته وعن المنزل وعن “عمر” صديقه الذي يسكن معه، أحسست بالراحة تبعاً لتعامله اللطيف.

دقائق ووصلنا المنزل، منزل يطل على العاصمة بأكملها، شرفته ونوافذه مفتوحة للنظر، بدا أنهم كانوا يقومون بتنظيف المنزل فالمياه على الأرض والأغراض مركونة في إحدى الزوايا، وشاب يتوسط غرفة الجلوس يتحدث على هاتفه وأنهى المكالمة حين انتبه لوصولنا، ردَّ السلام بجفاف وأكمل عمله، اللحظات التي استغرقتها لتدارك الموقف احتاجت بعدها إلى ساعات من التفكير بالنسبة لي. 

ماذا فعلت له؟

ألم يكن موافقاً على قدومي إلى المنزل؟

أم أنه يمتلك مواقف مسبقة تجاهي مبنيةً على أصولي ومنطقتي؟

لم أعقبْ على الموضوع وكسر الصمت صوت حمزة يدلني على غرفتي أو غرفتنا بالأحرى حيث أن الغرفة الثانية يستأجرها عمر منفرداً لأنه يحب أن يمتلك خصوصية أكثر، وهنا حاولت الربط بين طريقة سلامه وطريقة عيشه ووضعت فرضيات لا تعد ولا تحصى.

غرفةٌ صغيرة لم أجد فيها إلا ما هو جميل، منشورات لأفلام، كتابات جميلة على الجدران وأغراض كثيرة.

مرَّ اليوم الأول بهدوء والثاني والثالث وحتى الأسبوع الأول، لكنني كنت كل يوم أعيدُ الأحداث في ساعة ما قبل النوم لأطلق تحليلات وتأويلات على كلمات وأحرف وتصرفات يقوم بها عمر، لم أتقبلهُ في تلك اللحظات وبدأت أقتنع بما قرأت وسمعت عن طباع أهل طائفته من إشاعات وعن طريقة تعاملهم مع الغرباء ولم أظهر أي اهتمام لما يُحتمل أنه يمر به من مشاكل عائلية وجامعية.

عدد المواقف التي أوّلتها وحللتها والأشياء التي جعلتني أبعد نفسي عنهم كان كبيراً، ولكن الوقت كفيل بإصلاح كل الأخطاء، أن تكون ملتصقاً بأشخاص في منزل واحد يفرض عليك أن تتقبل كل طباعهم وأحاديثهم، ومع الوقت تصبح الأشياء المشتركة والعادات التي تتقاسمها معهم أمراً محبباً جداً، وما فكرت به في اليوم الأول تغير كثيراً بعد مرور شهر ونصف، فشكل الطعام في البداية كان يزعجني لأنه لا يشبه طعام أمي، لكن اتضح أن له نفس الطعم تقريباً، قهوة الصباح كانت مخففة وليست ثقيلة كما كانت قهوة والدي، لكنها شهية أيضاً، كان صعباً أن نتبادل أحاديث مشتركة بسهولة ففارق العمر بيني وبينهم الذي ظنناه كبيراً وملحوظاً كان يحرجنا، كذلك أحكامنا المسبقة عن بعضنا كانت كثيرة جداً ولم نتجرأ بأن نصارح بعضنا البعض بما سمعناه وتخيلناه.

 مع مرور الأيام بدأت أعلم أنّ كلّ المواقف التي أزعجتني لم تكن إلا مواقف بسيطة، تعود خلفياتها لانزعاج أحدهم أو ظروف حياته الصعبة أو ضغط الدراسة، حتى تفاصيل وعادات الطعام والشراب، كيف خيّل لي أن نكون بنفس الأذواق متجاهلاً فرق المسافة التي قطعناها لنلتقي في هذا المنزل؟

والأجمل أنّ هناك الكثير مما يجمعنا، فذوقنا الموسيقي متقارب نسبياً وهو ما جعلنا نتقرب أكثر ونقضي جلسات طويلة معاً على شرفة المنزل.

تكلمنا بوضوح عما سمعناه في الماضي وضحكنا على القصص المنقولة عن بيئاتنا والصورة النمطية التي لا يمكن أن تكون معممة على الجميع، فحمزة ابن الساحل لا يحب السمك وعمر ابن حلب لا يتناول الكبة كل أسبوع، والكثير مما هو أعمق وأهم.

ثلاثُ سنواتٍ كانت تحمل من المواقف واللحظات ما يكفي لننشئ صداقةً قويةً بغض النظر عن الاختلافات بين ثلاثة أشخاص قطعوا من المسافة قدراً كبيراً لتجمعهم الصدفة في منزل واحد كانت جدرانه كفيلةً بكسر صور ومخاوف عن الآخر لا تمت لواقعهم  بصلة.

بعد ثلاثُ سنواتٍ من المواقف نشئت صداقة

قوية بغض النظر عن الإختلافات

نواف العطواني