جريمة شرف

كتابة :
مارينا منصور

جلستُ أتذكر…

على أطراف دمشق وفي بيئة مدينة متنوعة تتسع لأكثر بكثير من مساحتها، حوالي الساعة الرابعة عصراً في الوقت الذي لا يتوقع فيه أحد حدوث ضجة… كانت الضجة الكبرى.

 في ُظهر ذلك اليوم حين سمعت صوت الجرس يرن كانت المرة الأولى التي أفتح بها أنا باب المنزل على غير عادتي، لكن بدا كما لو أن القدر قد اختارني.

فتحت الباب بعد وقت طويل وتردد كبير فرأيت خيالاً نحيلاً، لا شيء أمامي سوى اللون الأسود، عينان غائرتان ووجه أصفر، خوف ممتزج بأمل النجاة، تتكئ على الحائط تارةً وتنهض تارةً لتحمل حقائبها وتستجمع نفسها لبدء الحديث الذي لا تعرف كيف تبدأ به.

بدوري أنا صعقت وخفت من هول المنظر، لأول مرة أرى إنساناً لا يشبه الإنسان، امرأة ليست امرأة بل أشبه بشبح، كانت تتكلم بتقطع وتردد: (أمك… بالبيت… وين أبوكِ؟)

طلبت منها الانتظار وأسرعت بمناداة والدتي التي كانت نائمة، أتت أمي وعرفت المرأة بثيابها المهترئة وحجابها الذي يكاد يسقط عن رأسها، أدخلتها وجلستْ معها. 

ذهبت إلى غرفتي، ودفعني فضولي للمرة الأولى لاستراق السمع، فسمعت ما لا يخطر على بال أحد أن يسمعه.

كانت المرأة تردد جملة جعلت بدني يقشعر ووقفتي تهتز من الصدمة!

(أخي يريد إدخال رجل عليّ بقصد كسب المال)! 

يريدها عاهرة… يريدها سلعة يبيعها مقابل المال…

أكملت السمع لأعرف تفاصيل القصة، كان أخوها طبيباً، أي أنه رجل متعلّم، حبسها لأشهر في المنزل دون طعام أو شراب ليجعلها تقبل بالأمر الواقع مقابل أن يعطيها القليل من الطعام ويحتفظ بالمال الذي سيأخذه من رجل دنيء.

قد نسمع أن رجلاً غريباً فعل هذا بامرأة ما، ولكن أيعقل أن يفعل هذا الأخ بأخته مقابل شهوة المال؟ 

هل يكره أخته إلى هذه الدرجة أم أن الطمع أعماه وانتزع منه إنسانيته بالكامل؟

بعد أن استمعت مطولاً إلى حديثها عن مصيبتها، دخلت و طلبت منها ومن والدتي أن يتركانني أتبنى مساعدة هذه المرأة ما استطعت، لأنني أرى أن حريتي تتمثل بحرية كل امرأة مظلومة. كانت أمي تحتضنها وتربت على كتفها محاولة تخفيف ألمها الذي ليس له دواء، خذلان ممزوج برفض أدمى قلب هذه البنت فجلست منهارة الجسد مكسورة الروح.

تدخل أبي عندما استدعيناه وروينا له القصة، كان شديد التأثر بقصة حياتها وشديد الانفعال، وبذل كل ما في وسعه لمساعدتها بالاستعانة بأصدقائه، واستطاع أخيراً أن يؤمن لها عملاً وسكناً بعيداً عن المكان الوحشي الذي عانت فيه لعلها تنسى ولو قليلاً ما لا ينساه أحد. 

هي بشاعة ما بعدها بشاعة، ولكن مقدّر للإنسان أن ينسى دائماً، لا لشيء سوى ليستمر.

 وكنت أتابع المشهد فخورة بوالديّ لأنهما ساعداها بغض النظر عن الفروق الدينية والاختلافات الثقافية والمجتمع وكل هذه التعقيدات.

أردت لها الاستمرار والنجاح في وضعها الجديد لذلك سعيت أيضاً للمساعدة، مؤمنة أنه يجب أن يكون للنساء الحق في أن يعشن، ويعملن، ويضحكن، ويبنين، يجب أن تتنفس النساء الهواء بحرية كأي كائن آخر على سطح الأرض.

تواصلت مع اختصاصية نفسية لتتابع حالتها وتساعدها قدر الإمكان، كنت أعلم أن لا شيء يستطيع محو هذه الذكريات من دماغها، لا الصفح ولا المسامحة ولا حتى النسيان، مأساة نُقشت في عقلها ولن تزول. 

أما هي فكانت تشكرنا كثيراً وتردد بأنها لجأت إلينا كحل أخير ولم تكن على ثقة بأننا سنساعدها، كانت تظن أننا سنهمل الموضوع أو نطردها، وكانت تعتقد أن والدي سيكون شخصاً متعصباً لأنه رجل دين مسيحي وسيرفض مساعدتها بحجة أنها لا تخصه ولا تنتمي للدين الذي ينتمي إليه، لكنها غيرت نظرتها بعد ما حدث، وبعد أن رأت أن الفروق هذه لا تقف حاجزاً بوجه مساعدة الآخر.

وذهبتْ، وحيدة، عاجزة، منهارة، لكن حرّة

بعد أسابيع هاتفتنا وكانت مسرورة من وضعها، من عملها، من الناس الطيبين الذين تسكن معهم، يقلقها أمر واحد هو ما سمِعَته عن أخيها الذي علم أن آخر مكان ذهبت إليه هو منزلنا، وغضب لأن عائلة مسيحية ساعدت أخته المسلمة، معتبراً أننا تدخلنا في حياتهم.

لا ذنب للدين بتصرفات أخيها الذي سار وراء رغباته واعتبر أخته عانساً وعبئاً عليه، ولا ذنب للفتاة كي نتخوف منها ونرفض مساعدتها طالما أنه بوسعنا ذلك، مهما كانت معتقداتها وديانتها وآراؤها، فإن الإنسانية لا تعرف فرقاً، ولأن أياً منّا قد يكون يوماً مكانها.

الفروق لا تشكل حاجز في

وجه مساعدة الآخر

مارينا منصور