الجلاد العيزوقي

كتابة :
آلاء مرعي

كان يتوعد بالإنتقام…

 

سؤال واحد نمطي، في جلسة أصدقاء أعاد ذاكرتي إلى سنواتٍ كثيرة مَضتْ، هكذا كانت عادتي دائماً، أُسقط أبسط الأشياء على أكثرها عمقاً وتعقيداً.

– ما الأكلة التي تكرهها؟ 

 أجبت: القرع أو ما يسمّونه عندنا الخفيف.

– القرع؟! لماذا؟ ألم تتذوق مُربّى القرع؟ 

– لا في الحقيقة، سبق لي أن اشتريته مرّة عند زيارتي لشقيقة زوجتي، ولكنني لم أتذوّقه.

– تعال، لديّ بعض منه، تذوقه ثمَّ أخبرني ما رأيك.

وبالفعل تذوقته، كان من أطيب المربيات التي تذوقتها في حياتي؛ لكنّي مازلت لا أستسيغ طعمه وهو مملّح ومطبوخٌ مع البصل، هذا ما ذكرني بما حدث معي.

الذكرى هي اقتيادي إلى غرفة جانبية، كانت تبدو كما لو أنها تقع في نهاية الرواق لمبنى قديم هو فرع التحقيق، تم استدعائي أنا وجنى زوجتي إلى هناك، عيوننا كانت مغطاة بمناديل سوداء ينفذ منها الضوء ونسترق النظر من خلال القماش إلى العالم الغريب من حولنا.

منذُ دخلنا الغرفة انهالوا علينا بأبشعِ الشتائم و السُباب، حتّى أصبحنا أنا وجنى فريسة للاستفزاز و الشعور بالانكسار، استنكرت زوجتي لعناتهم، فنالت ضربةً على جبينها خلّفت وراءها بقعاً لزجة على وجهها ووجهي، ومن خلال رائحة المادة التي تركت تلك البقع فوق وجوهنا عرفت أن ما ضُربتْ به المرأة التي أحبّها كانت محبرة قديمة  .

هاجَمنا الجلاد عيزوقي “كما كانوا ينادونه”، طرحنا أرضاً وراح يضربنا بلا رحمة.

كنت منهكاً من الضرب في جلسات تحقيقٍ سابقة، خلال الأسابيع الماضية بدأ جسدي بالهزال وأصبحت نحيلاً، كما لو أنني ناجٍ من مجاعة ، أضلُعي تكسّرت بفعل الضربات المحكمة والعنيفة وكنت أشعر بآلام يصعب على الجبال تحمّلها والتعافي منها، و أسألُ نفسي مراراً هل سأتعافى من هذه الآلام؟ و تخيفني الإجابة دائماً،  فهذه الآلام الجسدية سوف تزول لا محالةَ مع مرور الزمن، غير أن الأذى الذي خلّفته في روحي لا يمكن لقوة في الدنيا أن تبدّده.

فالجلّاد لا ينفكّ يَستعرِضُ أمام رؤسائه بطولاته وإخلاصه في أداء عمله، هل كان يسعى من خلال قسوته لإرضائهم؟ لست أدري!. 

الحقد أعمى قلبه وعينيه، بالطبع كان يعي أنه يضرب بشراً، ولكن على الأرجح لم يكن يهمُّه أمرنا، لم يكلِّف نفسه بالسؤال إن كنّا مجرمين حقاً، أعتقد أن هناك اختلاف جوهري بيني وبينه حول مفهومنا عن الجريمة.

تحت الألم وشعوري المعذّب بأن زوجتي تضرب وأن كبريائي قد سحق تماماً، وأنني في موضع لا يمكنني فيه الدفاع عنها، شعرتُ بالحقد يتملّكني، إنّه يضرِبُ جنى، جنّتي، جُنينتي، فلذةُ كبدي، حبيبة قلبي التي ضحكت حتى على نكاتي السخيفة.

“عيزوقي” لو كنت حرّاً لرأيت.َأنَّ يداي أقوى من سوطك اللعين!

“عيزوقي” سوطك الذي كان ينهال علينا يميناً وشمالاً وفي كل الجهات، لسانك الذي لا يتوقف عن السباب، اليوم لا يمكنني أن أذكر كل ما كنت تقوله، ولكنني أستطيع تمييز صوتك من بين مئات الأصوات.

في تلك الزوايا المظلمة، في ذلك المكان الغريب بالنسبة لإنسان، أحسّت جنى بأنني مضنى، وبأنه لم يعد بوسعي الصراخ حتّى كي أخفف من حدّة الآلام.. زحفت باكية اتجاهي، اقتربت مني وعيزوقي لا يتوقّف عن الضرب ، شعرت بأنفاسها ودموعها الملتهبة على يديّ المكبّلة، قبلتها وقالت: لا تبكِ ، تبكي وتقول: لا تبكِ ، تبكي وتقول: لا تقلق ما زلت بطلي.

أَطبق الصمت، توقّف الضربْ.

سمعتهم يأمرون الجلّاد بالتوقف وإعادتنا للزنزانة وإحضار الطبيب.

انقضت أسابيع التحقيق، وخلال الأيام التي قضيناها في السجن بعد ذلك، تحوّل عيزوقي من جلّادٍ لا يعرف الرحمة إلى سجّان عادي، يَجلِبُ الطعام، يأخذُ الحضور، وتنتهي مَهَامه. 

أذكر أيضاً أنّه كان يحاول أن يمازح السجناء بين الحين والآخر ، لكنّهُ لم يفلح أبداً في إضحاكهم.

وفي النهاية استطعتُ أن ألمح وجههُ للمرة الأولى والأخيرة عند ترحيلنا إلى سجن آخر. كان عيزوقي رجلاً بملامح ضامرة لا يمكن التنبؤ من خلالها بطبيعتهِ، عيناه باردتان كما لو أنهما لم تعرفا الحبّ يوماً أو أي نوع من أنواع المشاعر الإنسانية. 


بعد عام من تحريرنا، وفي طريقنا لزيارة شقيقة جنى، مررت على دكانٍ أشتري شيئاً للعشاء، دخلت المخبز، تقدّمتُ نحو البائع وهنا كانت المفاجأة، نعم إنه هو، عرفته فوراً، إنه عيزوقي، الجلّاد أصبح خبازاً ماهراً، الرجل القويّ ذو العينين الباردتين يقف الآن أمامي بابتسامة طيّبة مستعداً لتلبية طلباتي، حاني الظهر وساهماً كرجل حليم، الصلابة التي كانت تبدو عليه في الماضي، اختفت تماماً وقد بدّدها الزمن، هذا الزمن الذي فشل بتبديد آلامي وذكرياتي،  كان كأي بائع عادي يقف خلف الطاولة ويلبي طلبات الزبائن بلطف مبالغ فيه.

سألتُ نفسي هل عرفني؟ هل يعرف الجلاد ضحاياه؟

عيزوقي الذي أنزل بنا  مختلف ألوان العذاب في الماضي، أمعن النظر في وجهي وهتف بحماس: “لقد عرفتك، أنا أعرفك وأعرف زوجتك، اسمك إبراهيم”، مشى من مكانه باتجاه طاولةٍ لشخصين، أشار إلى الطاولة وراح يردد “تفضل، تفضل أرجوك لا تغادر.. لم أعد ذلك الرجل، سامحني واقبل دعوتي، أرجوك لا تخيّبني”

وتحت تأثير كلماته وانفعالاته دفعتني قوة لم أفهم كُنهها لتلبية دعوته، جلست إلى الطاولة التي كان يشير إليها وجلس هو بدوره إلى النهاية الأخرى. 

قال والأسى يرافق نبرة صوته: “يا رجل، أتذكر في التحقيق؟ عندما استدعوك أنت وزوجتك”.. تنهّد ثمّ أضاف: “عندها قبّلت يدك، لم أنسَ كلماتها التي كانت تواسيك بها من جهة وتمزّق قلبي من جهة أخرى.. شلّت يدي.! حتى رؤسائي ذُهِلوا لتلك اللحظات التي عصفت بقلوبهم وطلبوا منّي التوقّف؛ أنتما بطلان حقيقيان فعلاً، لقد أصبحتما حديثىالسجن، لم أستطع أن أصدِّق من أين تنبع هذه القوّة”.

قلت له باستهجان: “عيزوقي، أنت الآن تتحدث كإنسان طبيعي، وهذا جيّد، ولكنك تقول إننا كنّا أقوياء ومع ذلك لم تتورّع عن ضربنا على الإطلاق، هل كنت تحاول أن تنال من تلك القوة التي وجدتها فينا؟ هل كنت تحاول سحقها وتدميرها؟ عن أية قوّةً تتحدّث يا رجل؟ عن أية قوةً تتحدّث بحق الجحيم؟”

– يا إبراهيم لعلّك تقول إنني وحش في هيئة إنسان، لعلّ الحقد يملأ قلبك تجاهي، أو لعلّك تقول أن قلبي لم يعرف شيئاً غير الحقد في يوم من الأيام. وأنا أفهمك تماماً، أفهم كلّ ما تفكّر فيه، ولكن أنا عبد مأمور، بالطبع كنت أعي ما الذي  أفعله، ولكن هذه هي وظيفتي، أو لنقل ذلك العمل المشؤوم كان وظيفتي، لم أكن أعتقد أنني أظلمكما، لا أكذب عليك، كنت أظنّ أنّ وجودكما خطر بالغ فعلاً، وأنكما بالفعل مذنبان، هذا ما قيل لي، وهذا ما بدا لي حقيقياً على نحو لا يدع مجالاً للالتباس، على الأقل في تلك الأيام.. لم يخطرْ لي أبداً  أن تكون أنت و زوجتك أو أحد المشتبه بهم أبرياء”.

حاولت أن أردّ عليه، بحثت عن الكلمات المناسبة ولكنني أخفقت في العثور عليها. وفي النهاية قلت له:

– تقول إنني أحقد عليك، ربما كان هذا صحيحاً وأنا تحت سوطك، ولكنني الآن حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، أكتشف العكس تماماً، أنا لست حاقداً. إنها ذكرى سيئة بالطبع بالنسبة لي و أتمنى لو لم تكن جزءاً منها، ولعّلكَ تتمنّى ذلك أيضاً، هذا ما يبدو لي من كلامك ومن حاضرك، ومع ذلك لن يلغي هذا أنك كنت عنصراً حاسماً في تكوين تلك الذكرى.

لست بصدد الحديث عن الماضي وأرجوك ألا تعيدني إليه، أنا هنا للحصول على الطعام، هل يمكنك أن تنسى الماضي وتمارس مهنتك الحالية وتبيعني بعضاً منه؟

اشتريت بعض المعجنات وخرجت من المكان بينما بقي عيزوقي يراقبني هامداً غارقاً في أفكاره وأنا أبتعد تحت الأضواء، وحين وصولي لمنزل شقيقة جنى ولسخرية القدر ربما، تبيّن لي أن عيزوقي أضاف بعضاً من مربى القرع المجفف في كيس ورقي دون علمي.

هل ندمت لتلبية دعوته وسماع مزاعمه؟ نعم، لا أنكر أنني وجدت فيها شيئاً من العزاء، لا لا، كنت مخطئاً، لم أجد العزاء في كلماته، بل وجدته ربما في عيزوقي الجديد ، في تغيّره.

خرجت من هناك وأنا اسأل نفسي لماذا لم اضربه، لماذا لم أسبّه؟ ها هو مجرد خباز يمارس مهنته كأي إنسانٍ طبيعي، في السجن كنت أتوعده بالانتقام بيني وبين نفسي، ولنفترض أنني غفرت له ما فعله بي، كيف يمكن أن أغفر ما فعله بجنى، بجنّتي، بجنينتي، بحبيبة قلبي، كيف لم أسترد لها كرامتها؟ ولكن هل كان ذلك ليصلح الماضي، ليعيد شيئاً مما فقدناه إلى الأبد؟

كنت أتوعّده بالانتقام نعم ولكنني في ذلك المساء لم أستطع أن أرى في عيزوقي أكثر من بائع بسيط، ومضيت في خيالي متسائلاً مغتمّاً إلى أماكن بعيدة.

هل قبلة جنى ذكّرته بحبيبة؟ أو بزوجة؟ أو بإنسانيته مثلاً؟!

جنى كانت تريد منّي أن أستمدّ القوّة منها، هل شعرَ هو بحاجته إلى مثل هذه القوّة؟ كلها أفكار واردة، و الأكيد أنّه يملك جانباً إنسانياً دفعه للتوقّف عن إنزال العقاب بنا في تلك اللحظة. 

لم أعدْ إلى محلّه بعد ذلك المساء لكنني أذكر أنّني شعرت بخفة في قلبي عندما زال كُرهي.

 عيزوقي أنت القرع الذي لا أطيقه مطبوخاً بالبصل لكن استسغت طعمُه وهو مربى.

وبينما كنت أسيراً لهذه الخيالات سمعت جنى: “ابراهيم، كان القرع فكرة رائعة…”

شعرت بخفة في قلبي

عندما زال كُرهي

ابراهيم المرعي